أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
182
شرح مقامات الحريري
الآخر ، وليكن بين كلّ ضرطتين فرجة ، فلما وضعت المائدة فعلوا ذلك ، فأخذ أبو علقمة المائدة ، وقام بها ، فقيل له : إلى أين يا أبا علقمة ؟ قال : إلى الكنيف ، فمن أراد منكم أن يخرأ كان قريبا . وجلس ثقيل إلى بشار ، فضرط بشار ضرطة منكرة ، فظن الرّجل أنها فلتة ، فمشى في حديثه ، فضرط بشار ثانية وثالثة ، فقال له : ما هذا يا أبا معاذ ؟ قال : رأيت أو سمعت ؟ قال : قال : بل سمعت ، كلّ ما سمعت ريح لا تصدق حتى ترى . * * * قوله : حقّه ، أي وعاء الطّيب ، ويقال له : حقّ والجمع حقاق ، وتبدل عامتنا من قافه كافا ، والروائح العطرة مضرّة بهذه الهوام المنتنة ، وقد قال المتنبي : [ البسيط ] بذي الغباوة من إنشادها ضرر * تضرّ كما تضرّ رياح الورد بالجعل « 1 » قوله هبك ، أي حسبك . * * * [ الحسن بن أبي الحسن البصري ] وأما الحسن فهو أبو سعيد بن أبي الحسن البصريّ ، وهو من التابعين . ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ، وأمّه اسمها خيرة ، وكانت مولاة لأمّ سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكانت تعطيه ثديها إذا اشتغلت أمه ، فدرّ ثديها له باللبن ، فأظهر اللّه تعالى بركة ذلك اللبن عليه . وأبوه مولى لامرأة من الأنصار ، وقيل إن أبويه كانا مملوكين لرجل من بني النّجّار ، فتزوج امرأة في بني سلمة من الأنصار ، فساقهما إليها من مهرها فأعتقتهما ، وكان أحسن النّاس لفظا ، وأبلغهم وعظا ، وكان زاهدا عالما مقدّما في العلم والدين على نظرائه من التابعين . وكان الحجّاج له معظّما ومتعجّبا من فصاحته ، ولم ينفكّ من مجلس وعظ أو تدريس علم ، إلى أن مات رحمه اللّه تعالى . وقال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت قطّ أوعظ ولا أفصح من الحسن البصريّ . وقال أبو أيوب السّختيانيّ : ما سمع أحد كلام الحسن البصريّ إلّا ثقل عليه كلام الرجال . قال حميد : قال لي الشعبيّ ونحن بمكة : أحبّ أن اختلي بالحسن ، فقلت : ذلك للحسن ، فقال : إذا شاء ، فجاء الشعبيّ ، فقلت له : ادخل عليه ، فإنه في البيت وحده ،
--> ( 1 ) البيت في ديوان المتنبي 3 / 40 .